قبل أكثر من 50 عامًا،نشر عالم الاجتماع في جامعة ستانفورد مارك غرانوفيتربحثًا تناول فيه أهمية ما يُعرف بـ«العلاقات الضعيفة». ويُقصد بها الروابط التي تجمعنا بأشخاص نعرفهم ونحبهم وربما نكنّ لهم مشاعر خاصة، لكننا لسنا قريبين منهم بشكل كبير. وتشمل هذه العلاقات زملاء السكن في الجامعة، والعمات والأعمام، والجيران السابقين، وجهات الاتصال المهنية.
أشار غرانوفيتر إلى أن علاقاتنا بهؤلاء الأشخاص لها تأثير أكبر مما قد نتوقع. فمن خلال هذه العلاقات الضعيفة، نتعرّف على أفكار ومعلومات جديدة، ونسمع عن فرص وفعاليات مختلفة، كما نحصل على النصائح والتوصيات.
تظل هذه العلاقات الضعيفة بالغة الأهمية في العصر الرقمي الحديث، ولا سيما ضمن شبكاتنا المهنية. فقد لا تحضر زميلة في المجال تعرّفت إليها خلال مأدبة غداء في أحد المؤتمرات حفل زفافك، لكنها قد تساعدك على فتح أبواب جديدة أمامك مهنيًا.
تُظهر القوة المستمرة لهذه العلاقات الضعيفة لماذا ينبغي لأخصائيي الموارد البشرية السعي إلى بناء شبكات قوية، سواء داخل مؤسساتهم أو خارجها. فهذه الشبكات لا تساعدك فقط على التنقل في مجال لا يتمتع دائمًا بمسارات مهنية واضحة، بل تُبقيك أيضًا على اطلاع بالاتجاهات والتقنيات والتشريعات التي تؤثر في تخصصك. أما المؤسسات التي تسعى إلى تطوير مواهب الموارد البشرية وتحقيق نتائج أقوى في إدارة الأفراد، فعليها تشجيع بناء العلاقات المهنية وتمكينها كلما أمكن.
يمكن الشبكات المهنية أن تؤثر في جوانب كثيرة من مسيرتنا، بدءًا من الطريقة التي نحل بها مشكلة في العمل، وصولًا إلى المكان الذي قد نقضي فيه العقد المقبل من حياتنا المهنية. لكن للاستفادة من هذه الشبكات، علينا أن نبنيها ونحرص على تنميتها باستمرار.
النصيحة الأولى: ضع أهدافًا صغيرة ومحددة لبناء علاقاتك المهنية
قد يبدو بناء العلاقات المهنية أمرًا مرهقًا وغير مريح، لكنه لا يجب أن يكون كذلك.
بناء العلاقات المهنية هو عملية تكوين علاقات مع زملائك في المجال، ولا يشترط أن يكون وراءها هدف محدد. صحيح أننا قد نستعين بشبكاتنا المهنية أحيانًا للحصول على مقابلة عمل أو للتواصل مع شخص مهم، لكن هذا لا يعني أن بناء العلاقات يقوم على الاستغلال. فالعلاقات التي تنشأ من خلال التواصل المهني تقوم على المنفعة المتبادلة، إذ تربط بين أشخاص يمكن لكل منهم أن يساعد الآخر.
ومع ذلك، فإن بناء علاقات مهنية جديدة يتطلب بعض الجرأة، لذا ابدأ بخطوات بسيطة. ضع لنفسك هدفًا بحضور ثلاث فعاليات لبناء العلاقات المهنية خلال هذا العام. وقد تكون هذه الفعاليات على شكل:
- المؤتمرات
- ورش العمل
- لقاءات غير رسمية
- الندوات عبر الإنترنت
- المنتديات الإلكترونية
عند تحديد أهدافك لبناء العلاقات المهنية، من المهم وضع خطة واضحة من خلال تحديد أنواع الأشخاص والمؤسسات التي تتوافق مع اهتماماتك المهنية. فكّر فيما إذا كنت ترغب في التواصل مع قادة في المجال، أو مرشدين محتملين، أو مسؤولي توظيف، أو زملاء يشاركونك التحديات أو الطموحات المهنية نفسه
يساعدك وجود تركيز واضح على تحديد أولويات الفعاليات والمحادثات، بما يضمن أن تكون جهودك في بناء العلاقات المهنية هادفة ومثمرة.
النصيحة الثانية: صقّل مهاراتك في بناء العلاقات المهنية
بناء العلاقات المهنية مهارة يمكنك تطويرها من خلال الاستعداد والممارسة. حسّن أسلوبك في بناء العلاقات المهنية من خلال التركيز على المجالات الثلاثة التالية:
طريقة التفكير
عندما تصل إلى فعالية لبناء العلاقات المهنية، ذكّر نفسك بلطف بأن مسؤولية بدء الحوار تقع عليك. وحاول أن تكون حاضرًا على طبيعتك وصادقًا في تواصلك. شارك شيئًا عن نفسك، مثل سبب رغبتك في بدء بناء شبكة علاقات مهنية، واطرح على الشخص الآخر أسئلة تتجاوز الأحاديث العامة والمجاملات.
لغة الجسد
يمكنك تحسين محادثاتك عند بناء العلاقات المهنية من خلال تبنّي لغة جسد منفتحة، والحفاظ على التواصل البصري، والابتسام. وينطبق ذلك أيضًا على اللقاءات الافتراضية. فعندما تتواصل مع شخص عبر مكالمة فيديو، حافظ على تركيز نظرك على الشاشة لتُظهر له أنك منتبه ومتابع، حتى وإن كانت بينكما مسافات بعيدة.
محادثة
إليك بعض الأسئلة التي يمكنك استخدامها لبدء الحوار أثناء بناء العلاقات المهنية. ولا تشعر بأنك مقيّد بهذه القائمة، فأفضل موضوعات النقاش هي تلك التي تبدو طبيعية وتعكس أسلوبك الحقيقي.
- ما انطباعك عن الفعالية حتى الآن؟
- ما الذي تحبه في عملك؟
- ما الذي تتمنى لو يعرفه الآخرون عن وظيفتك أو شركتك أو مجال عملك؟
- ما الذي يشغل بالك مؤخرًا؟
- ماذا تفعل للاستمتاع بوقتك؟
النصيحة الثالثة: أتقن المتابعة بعد التواصل
- اشكر الشخص على وقته: لا تكتفِ بشكره على وقته، بل أشر أيضًا إلى شيء أعجبك في الحديث. يمكنك أن تشكره على صراحته، أو على إضفاء روح مرحة على المحادثة، أو على مساعدتك في رؤية الأمور من منظور مختلف.
- تبادل معلومات التواصل: احرص على الحصول على معلومات التواصل الخاصة بالشخص الجديد حتى تتمكن من إضافته إلى شبكتك المهنية. وفي العصر الرقمي، قد يكفي اسم الشخص للتواصل معه عبر LinkedIn أو أي منصة أخرى، لكن قد تفضّل أيضًا تبادل عناوين البريد الإلكتروني أو حتى أرقام الهواتف.
- خطّط لخطوتكما التالية في التواصل: قد تقرر أنت وجهة اتصالك الجديدة الاستمرار في التواصل عبر الإنترنت. ولكن إذا كان الحوار مهمًا، أو شعرتما بأن لديكما المزيد لتبادل الحديث حوله، فادعُ الشخص للقاء على فنجان قهوة أو لتناول وجبة. الأهم هو أن تضعا خطة تبدو طبيعية ومناسبة، ثم تلتزما بتنفيذها.
ابحث عن فرصة لبناء علاقات مهنية
بصفتك أخصائيًا في الموارد البشرية، ينصب تركيزك على موظفي مؤسستك الحاليين والمستقبليين. فقد تكون مسؤولًا عن إدارة إجازة أحد الموظفين، أو تطوير حزمة استحقاقات أفضل، أو مراجعة السير الذاتية للعثور على المرشح المناسب
هذا التركيز جزء أساسي من مهنتنا، لكنه قد يجعلنا ننشغل بالتفاصيل اليومية في الوقت الذي نحتاج فيه إلى توسيع نظرتنا. يتيح لنا بناء العلاقات المهنية التواصل مع أخصائيي موارد بشرية آخرين يفهمون التحديات التي نواجهها ويمكنهم مساعدتنا على إيجاد الطريق إلى الأمام. لكن الخطوة الأولى تبدأ منك.
هل كان هذا المورد مفيدًا؟