لطالما واجه خريجو المدارس الثانوية معدلات بطالة أعلى من نظرائهم الحاصلين على تعليم جامعي، وهو نمط واقعي شكّل أساسًا لتوجيهات التوظيف على مدى عقود. لكن هذه الفجوة آخذة الآن في التضييق، مما يثير تساؤلات جديدة لدى أرباب العمل والمعلمين وصانعي السياسات حول القيمة المتغيرة للشهادة الجامعية.
يشير تحليل جديد صادر عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند إلى أن تقلص الفجوة لا يُعزى إلى تحسن كبير في أوضاع خريجي المدارس الثانوية، بل إلى انخفاض مطرد في معدل حصول خريجي الجامعات الشباب على فرص عمل، وهو انخفاض بدأ حوالي عام 2000 وتسارع منذ ذلك الحين.
قال باريس كايماك، المستشار الاقتصادي والسياسي في قسم الأبحاث بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند: «عادةً ما يواجه خريجو الجامعات معدلات بطالة أقل، ويجدون وظائف بشكل أسرع، ويتمتعون باستقرار وظيفي أكبر مقارنة بخريجي المدارس الثانوية الذين لم يلتحقوا بالجامعة». وأضاف: «إلى جانب الأجور المتوقعة الأعلى، عززت هذه المزايا من دور التعليم العالي كمسار نحو الأمن الاقتصادي». «ومع ذلك، قد تكون بعض المزايا الراسخة في سوق العمل التي يوفرها الحصول على شهادة جامعية آخذة في التآكل».
ويبدو أن سوق العمل في مرحلة ما بعد الجائحة يزيد من حدة هذه المخاوف. فخريجو الجامعات الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 22 و27 عامًا يعانون حاليًا من معدلات بطالة أعلى من المتوسط، ويشيرون إلى صعوبة أكبر في الحصول على تلك الوظيفة الأولى الحاسمة. وتزيد المخاوف من أن يحل الذكاء الاصطناعي محل الوظائف التحليلية والمهنية للمبتدئين من حدة الضغوط، لا سيما وأن الانتكاسات في بداية المسيرة المهنية يمكن أن يكون لها آثار دائمة على الدخل على مدى الحياة.
ورغم أن الاستقرار الوظيفي والمكافآت لا تزال تميل بقوة لصالح حاملي الشهادات الجامعية بمجرد توظيفهم، فإن التحليل يُظهر أن معدل العثور على عمل بين خريجي الجامعات الشباب قد انخفض ليصبح متقاربًا تقريبًا مع معدل خريجي المدارس الثانوية. وقد تقلصت الفجوة في معدلات البطالة بين هاتين المجموعتين بشكل مستمر منذ الأزمة المالية لعام 2008، لتصل مؤخرًا إلى أدنى مستوى لها منذ أواخر السبعينيات.
استخدم كايماك وألكسندر كلاين، المحلل البحثي، بيانات مستمدة من «مسح السكان الحالي» (Current Population Survey)، وهو مسح شهري يرعاه مكتب الإحصاء الأمريكي ومكتب إحصاءات العمل الأمريكي. ووجدوا أن معدل البطالة بين خريجي المدارس الثانوية كان تاريخياً أعلى من معدل البطالة بين خريجي الجامعات، لكن هذه الفجوة قد تقلصت.
وقال كايماك: «يعكس هذا التباين قصة سوقي عمل متباينين». «فالشباب العاملون من خريجي المدارس الثانوية يستفيدون من موجة سوق العمل التي تشهد ضيقًا تاريخيًا في أعقاب الجائحة، حيث تبلغ معدلات البطالة لديهم مستويات أقل بكثير من المتوسط مقارنةً بخريجي المدارس الثانوية في الأعوام السابقة، في حين يعاني الشباب العاملون من خريجي الجامعات من معدلات بطالة نادرًا ما تُلاحظ بين دفعات خريجي الجامعات السابقة، باستثناء فترات الركود الاقتصادي».
تشير الدراسة إلى أن خريجي المدارس الثانوية يجدون وظائف جديدة (أو يخرجون من سوق العمل تمامًا) بوتيرة أسرع من خريجي الجامعات. وقبل عام 2001، كان خريجو المدارس الثانوية الشباب يظلون عاطلين عن العمل لفترة أطول، كما كانت معدلات بطالتهم أعلى من نظرائهم من خريجي الجامعات. لكن حدث انعكاس في وتيرة العودة إلى العمل في السنوات الأخيرة، وهو عامل رئيسي وراء تضييق الفجوة في معدلات البطالة، وفقًا للتحليل.
السؤال هو: هل يخرج خريجو المدارس الثانوية من دائرة البطالة عن طريق العثور على وظيفة، أم أنهم ينسحبون تمامًا من سوق العمل؟ بعبارة أخرى، هل يفقد خريجو المدارس الثانوية الأمل بسهولة أكبر أم أنهم يجدون وظائف أسرع مقارنة بخريجي الجامعات؟
تاريخياً، كان خريجو الجامعات يجدون وظائف بشكل أسرع. وقال كايماك إن كلا المجموعتين شهدتا تقلبات دورية، لكن الاتجاهات طويلة الأجل سارت في نفس الاتجاه بين عامي 1976 و2000. وتباعدت الأنماط بعد عام 2000، حيث ظلت معدلات العثور على وظائف لخريجي المدارس الثانوية مستقرة على الرغم من الركود المطول الذي أعقب أزمة عام 2008، في حين تراجعت معدلات خريجي الجامعات بشكل مستمر منذ عام 2000.
في المقابل، قال كايماك إن معدلات الإحباط لا تُظهر أي اتجاهات متباينة. «قد يعكس تراجع فرص العمل بين خريجي الجامعات الشباب النمو المستمر في معدلات الحصول على التعليم الجامعي، مما يضيف مجموعات أكبر وأكبر من خريجي الجامعات إلى صفوف الباحثين عن عمل، على الرغم من أن التكنولوجيا لم تعد تفضل العمال الحاصلين على تعليم جامعي.»
كشفت دراسة نُشرت مؤخرًا من قبل مختبر الاقتصاد الرقمي بجامعة ستانفورد وجامعة ستانفورد نفسها عن أدلة تشير إلى أن ثورة الذكاء الاصطناعي بدأت تُحدث تأثيرًا كبيرًا وغير متناسب على العمال المبتدئين في سوق العمل الأمريكي.
قال إريك برينجولفسون، مدير مختبر الاقتصاد الرقمي بجامعة ستانفورد وأستاذ وزميل أقدم في معهد ستانفورد للذكاء الاصطناعي المتمحور حول الإنسان: «وجدنا أنه منذ الانتشار الواسع للذكاء الاصطناعي التوليدي، شهد العاملون في مرحلة مبكرة من حياتهم المهنية، الذين تتراوح أعمارهم بين 22 و25 عامًا، في المهن الأكثر تعرضًا للذكاء الاصطناعي، انخفاضًا نسبيًا في معدلات التوظيف بنسبة 13٪». «في المقابل، ظل معدل التوظيف مستقراً أو واصل نموه بالنسبة للعاملين في المجالات الأقل تعرضاً لهذه التكنولوجيا، وكذلك بالنسبة للعاملين الأكثر خبرة في نفس المهن. علاوة على ذلك، يتركز انخفاض معدلات التوظيف في المهن التي يُرجح أن يؤدي فيها الذكاء الاصطناعي إلى أتمتة العمل البشري، بدلاً من تعزيزه».
لكن كايماك أشار إلى أن التطورات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، والتي قد تؤثر في بعض الحالات على فرص العثور على عمل، لا يمكن أن تفسر انخفاض معدل العثور على عمل بين خريجي الجامعات، وهو انخفاض يعود إلى ما قبل ظهور عصر الذكاء الاصطناعي.
إن الميزة التي طالما تمتع بها خريجو الجامعات في مجال البحث عن عمل آخذة في التقلص، مما يثير تساؤلات حول العائد من التعليم العالي، لكن لا تزال هناك فوائد طويلة الأمد لاكتساب شهادة جامعية.
وقال كايماك: «لا يزال خريجو الجامعات «يتمتعون بمعدلات ترك العمل أقل مقارنة بخريجي المدارس الثانوية، مما يعني أمانًا وظيفيًا أكبر بمجرد التوظيف». «كما لا يزال خريجو الجامعات يحصلون على علاوات أجريّة كبيرة. والتقارب الذي نوثقه يتعلق بالخطوة الأولى المتمثلة في الحصول على العمل، وليس بالنتائج الإجمالية لسوق العمل».
هل كان هذا المورد مفيدًا؟