سرعان ما أصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا لا يتجزأ من المشهد التكنولوجي في مجال الموارد البشرية، بدءًا من فحص السير الذاتية وتصنيف المرشحين وصولاً إلى اقتراح الوظائف المناسبة وتحديد فرص التعلم.
وهذا التأثير المتزايد هو بالضبط السبب الذي جعل قضية «موبلي ضد شركة ووركداي» واحدة من أكثر القضايا القانونية التي تحظى بمتابعة وثيقة في مجال الموارد البشرية.
وفي أحدث تطور في هذه القضية، رفض قاضٍ فيدرالي في 22 يونيو طلب شركة «ووركداي» العملاقة في مجال تكنولوجيا الموارد البشرية برفض دعوى جماعية مقترحة تتعلق بقانون مكافحة التمييز في كاليفورنيا، وهو «قانون التوظيف والإسكان العادل» (FEHA).
نظرت القاضية ريتا ف. لين، من المحكمة الفيدرالية للمنطقة الشمالية من كاليفورنيا، أولاً في ادعاء شركة «ووركداي» بأن الدعاوى المرفوعة بموجب قانون مكافحة التمييز في كاليفورنيا (FEHA) لم تُقدَّم بالشكل الصحيح. وادعت الدعاوى أن ميزات الشركة الخاصة بفرز المرشحين المدعومة بالذكاء الاصطناعي قامت بشكل غير قانوني باستبعاد المتقدمين بناءً على العرق والعمر والإعاقة.
وجادلت شركة «ووركداي» بأن قانون مكافحة التمييز في مجال العمل في كاليفورنيا (FEHA) لا ينبغي أن ينطبق على هذه القضية لأن العديد من أعضاء الدعوى الجماعية ليسوا مقيمين في كاليفورنيا. وقرر القاضي لين أن قانون FEHA يمكن أن ينطبق لأن «الشكوى تتضمن ادعاءات وقائعية كافية لإثبات وجود صلة بين كاليفورنيا والسلوك المزعوم غير القانوني»، وذلك نظرًا لأن أدوات الذكاء الاصطناعي الخاصة بشركة «ووركداي» قد «صُممت، وُطورت، وصيانتها، وتُدار» من مقرها الرئيسي في كاليفورنيا.
كما سمح لين بمواصلة النظر في دعوى التمييز على أساس الإعاقة بموجب «قانون الأمريكيين ذوي الإعاقة» (ADA)، لكنه وافق على طلب شركة «ووركداي» برفض دعوى منفصلة تتعلق بالتأثير التبايني على أساس العرق، ودعوى أخرى تزعم أن شركة «ووركداي» تتحمل المسؤولية بصفتها جهة عمل لأنها تستخدم الإجراءات المطعون فيها في عمليات التوظيف الخاصة بها.
وتعد هذه القضية الأولى من نوعها التي تستهدف عملية اتخاذ القرار الخوارزمية التي تعتمد عليها برامج التوظيف القائمة على الذكاء الاصطناعي، والتي أصبحت سائدة بسرعة بين أرباب العمل.
تستمر إجراءات القضية حالياً، ومن المتوقع صدور الحكم في وقت لاحق من هذا العام.
الخلفية
كانت الدعوى الجماعية المقترحة قد رُفعت في الأصل عام 2023 من قبل ديريك موبلي، الذي ادعى أن تقنية «ووركداي» لفرز المتقدمين للوظائف تمارس التمييز على أساس العمر والعرق والإعاقة، مما يشكل انتهاكًا لقانون التمييز على أساس العمر في مجال العمل (ADEA)، والباب السابع من قانون الحقوق المدنية، وقانون الأمريكيين ذوي الإعاقة (ADA).
قال موبلي إنه منذ عام 2017، تم استبعاده من أكثر من 100 وظيفة في شركات تستخدم نظام «Workday»، وأنه نظراً لأن الرفض كان غالباً فورياً أو في منتصف الليل، فإنه يعتقد أن هذه الرفضات كانت آلية.
وقد اتسعت نطاق الدعوى منذ ذلك الحين لتشمل مدعين آخرين محددين بالاسم وادعاءات تمييز أوسع نطاقاً، بما في ذلك الانتهاكات المزعومة لقانون التمييز في مكان العمل في كاليفورنيا (FEHA).
قضى لين في عام 2024 بأنه يمكن اعتبار شركة «ووركداي» جهة عمل خاضعة للقوانين الفيدرالية التي تحظر التمييز في مكان العمل، لأنها تؤدي مهام الفرز التي عادةً ما يقوم بها عملاؤها بأنفسهم. وقد تمت الموافقة على الدعوى الجماعية على الصعيد الوطني بموجب قانون مكافحة التمييز في التوظيف بسبب العمر (ADEA) في مايو 2025. ورأت المحكمة أنه عندما تؤدي أداة الذكاء الاصطناعي الخاصة بمزود الخدمة وظيفة توظيف تقليدية مثل فرز المتقدمين أو تصنيفهم أو التوصية بهم أو رفضهم، فإن المزود يتصرف بصفته وكيلاً لعملائه من أصحاب العمل، وبالتالي تنطبق القوانين الفيدرالية لمكافحة التمييز.
وقد أكدت شركة «ووركداي» مرارًا وتكرارًا أن الادعاءات الواردة في الدعوى كاذبة، مؤكدة أن أدوات الفرز التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي لا تتخذ قرارات التوظيف، وأن العملاء يحتفظون بالسيطرة الكاملة على عمليات التوظيف الخاصة بهم. وقال متحدث باسم الشركة: «تقتصر تقنيتنا على النظر في مؤهلات الوظيفة فقط، وليس في السمات المحمية مثل العرق أو العمر أو الإعاقة». وأضاف: «نقوم باختبار منتجاتنا بشكل صارم في إطار برنامجنا للذكاء الاصطناعي المسؤول للتأكد من أن أدواتنا لا تضر بالفئات المحمية».
من المرجح أن تصبح هذه القضية التاريخية التي ينتظرها الجميع بفارغ الصبر معيارًا مرجعيًّا لكيفية تعامل المحاكم مع أدوات الفرز الآلي المستخدمة في مختلف مراحل دورة التوظيف. ومن المحتمل أن يتبين أن مزودي تكنولوجيا الموارد البشرية يتحملون مسؤولية مباشرة عن النتائج التي تنتجها أنظمتهم.
وفي قضية ذات صلة، رفعت مجموعة من المتقدمين للوظائف دعوى قضائية ضد شركة «إيتفولد إيه آي» (Eightfold AI)، وهي شركة معروفة متخصصة في تكنولوجيا الموارد البشرية، مدعين أن أدوات الفرز القائمة على الذكاء الاصطناعي تعمل كوكالات لإعداد التقارير الاستهلاكية، وهي خاضعة لمتطلبات الشفافية المنصوص عليها في «قانون الإبلاغ الائتماني العادل» (FCRA).
تزعم دعوى جماعية رُفعت في يناير 2026 أن شركة «إيتفولد إيه آي» قامت بجمع البيانات الشخصية للعاملين، وتقييم المتقدمين للوظائف، واستبعاد المرشحين ذوي التقييم المنخفض قبل أن يطلع أي شخص على طلبات التوظيف الخاصة بهم. ويزعم المدعون أن كل هذا حدث دون الإفصاحات التي تنص عليها قانون الإفصاح عن الائتمان العادل (FCRA).
وتنفي «إيتفولد» هذه المزاعم، مشيرةً إلى أن المنصة «تعمل على أساس البيانات التي يشاركها المرشحون عن قصد أو التي يقدمها عملاؤنا».
المخاطر القانونية المتزايدة
إن الدعوى القضائية بين «ووركداي» و«إيتفولد» تبعث بالفعل برسالة واضحة مفادها أن المؤسسات لم يعد بإمكانها التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره تقنية «صندوق أسود» يديرها الموردون وحدهم.
وقالت سارة سمارت، نائبة الرئيس الأولى لشؤون استقطاب المواهب العالمية واستراتيجية القوى العاملة في شركة «أبيان»:«إن الذكاء الاصطناعي في تكنولوجيا الموارد البشرية يؤثر بالفعل على القرارات التي تحدد بشكل مباشر من يتم تعيينه أو ترقيته أو استبعاده». «وبغض النظر عن نتيجة الدعوى القضائية، فإن هذه القضية تمثل دعوة لاتخاذ إجراءات من جانب قادة الموارد البشرية. يجب على المسؤولين التنفيذيين في مجال الموارد البشرية أن يتقنوا تطبيقات الذكاء الاصطناعي ومخاطره وحوكمته».
أقرت سمارت بالقيمة الهائلة للذكاء الاصطناعي في مجال استقطاب المواهب، ووصفت نفسها بأنها من أوائل من تبنوا هذه التكنولوجيا.
وقالت: «أعترف بأن أدوات الذكاء الاصطناعي جذابة للغاية». «لا يزال استخدام الذكاء الاصطناعي في مجال التوظيف ثوريًّا. فعند استخدامه بشكل مسؤول، يمكن أن يؤدي إلى زيادة الكفاءة في عملية التوظيف، وتحسين تجربة المرشحين، واتخاذ قرارات توظيف أكثر نجاحًا. ومع ذلك، فإن قضية موبلي تسلط الضوء على المخاطر».
قد تشمل الدعوى القضائية شركة «ووركداي»، لكن «سمارت» شدد على أن كل صاحب عمل يجب أن ينظر إلى هذه القضية باعتبارها فرصة لمراجعة منظومته التكنولوجية الخاصة.
وقالت: «تُبرز قضية موبلي أهمية فهم مكانة الذكاء الاصطناعي ضمن مجموعة تقنيات الموارد البشرية الحالية لديك، والمخاطر المحتملة المرتبطة به».
ويبدأ ذلك بمسائل أساسية تتعلق بالحوكمة. يجب على قادة الموارد البشرية أن يعرفوا بالضبط أين يتم استخدام الذكاء الاصطناعي ضمن أنظمة التوظيف والموارد البشرية الخاصة بهم، وما هي البيانات التي تم تدريب تلك النماذج عليها، وما إذا كان الموردون يجرون عمليات تدقيق مستقلة للتحيز، وما هي مقاييس التوظيف التي تم تحسين الخوارزميات لتحقيقها، وما هي خطط الطوارئ المتوفرة في حال فشل نظام الذكاء الاصطناعي في اجتياز تقييم التحيز.
تزداد هذه الأسئلة إلحاحًا مع استمرار تزايد عدد الدعاوى القضائية المتعلقة بأدوات التوظيف القائمة على الذكاء الاصطناعي.
قالت كارولين كارير، المحامية في مكتب «سكواير باتون بوغز» في كولومبوس بولاية أوهايو: «تُعد قضية «ووركداي» تحذيرًا من المخاطر التي ينطوي عليها استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في مهام التوظيف والاختيار، لكنها ليست المثال الوحيد على مثل هذه المخاطر». وأضافت: «تتزايد منذ عام 2022 الدعاوى القضائية التي تزعم وجود تمييز ضد أدوات الذكاء الاصطناعي وأرباب العمل الذين يستخدمونها، ولا تظهر أي مؤشرات على تراجعها».
وأشارت شركة «كارير» إلى أن العديد من أرباب العمل يفترضون خطأً أن المسؤولية تقع في المقام الأول على عاتق مزود البرمجيات. إلا أن المحاكم تشير بشكل متزايد إلى عكس ذلك.
وقالت: «من الأمور التي أصبحت مؤكدة الآن أن أرباب العمل لا يمكنهم التذرع بالطبيعة الآلية لأدوات التوظيف التي يستخدمونها، وإلا فسيتعرضون لخطر التورط في تمييز غير قانوني، وإن كان غير مقصود». وعلى الرغم من أن دعوى «ووركداي» تستهدف مزود التكنولوجيا نفسه، «إلا أن دعاوى قضائية أخرى أشارت إلى أرباب العمل المعنيين باعتبارهم الطرف المسؤول عن المصادقة في نهاية المطاف واتخاذ قرارات التوظيف استنادًا إلى أدوات الذكاء الاصطناعي التي يُزعم أنها تمييزية».
ونتيجة لذلك، ينبغي على أرباب العمل تقييم كل مرحلة من مراحل عملية التوظيف المدعومة بالذكاء الاصطناعي بعناية.
ولعل الأهم من ذلك أنها حذرت من السماح للذكاء الاصطناعي بأن يصبح صانع القرار النهائي.
وقال كارير: «ينبغي أن تظل جميع العمليات التي يدعمها الذكاء الاصطناعي مجرد عمليات مدعومة. وينبغي استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة، وليس كمصدر للسلطة. وينبغي أن يظل اتخاذ القرار النهائي دائمًا في أيدي الأشخاص الحقيقيين المسؤولين عن إجراءات التوظيف لدى صاحب العمل».
كما أن التعقيد المتزايد لإدارة الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل الكفاءات المطلوبة من فرق الموارد البشرية العليا.
ووفقًا لـ«سمارت»، يجب الآن أن تُستكمل المهام القيادية التقليدية في مجال الموارد البشرية بالخبرة في تحليل البيانات، واستراتيجية تكنولوجيا الموارد البشرية، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي.
المشهد القانوني آخذ في التغير
تعتقد شيلي باغاك، المديرة ورئيسة مجموعة ممارسات التوظيف والعمل في شركة «هيوستن هارباو» ببيتسبرغ، أن قضية «موبلي» قد تصبح نموذجًا يُحتذى به في الدعاوى القضائية المستقبلية، لا سيما في ظل غياب تشريعات اتحادية أو ولائية تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي في عملية التوظيف.
وقالت إن أحد أهم الآثار المترتبة على هذه الدعوى القضائية هو استعداد المحكمة لاعتبار موردي التكنولوجيا وكلاءً يتصرفون نيابةً عن أرباب العمل.
وأوضح باغاك قائلاً: «إذا كان المورد هو وكيلك، فإن عيوبه هي عيوبك». «فاسم صاحب العمل هو الذي يظهر في إشعار الرفض، وليس اسم المورد».
وفي الوقت نفسه، بدأت ولايات مثل كاليفورنيا وكولورادو وإيلينوي ومدينة نيويورك في تطبيق متطلباتها الخاصة بحوكمة الذكاء الاصطناعي، مما أدى إلى خلق بيئة امتثال تزداد تعقيدًا.
ولتحضير ذلك، أوصى باغاك باتخاذ أربع خطوات فورية:
- قم بإجراء جرد لجميع أدوات الذكاء الاصطناعي المستخدمة في اتخاذ قرارات التوظيف.
- اطلب من المورد تقديم وثائق تدقيق التحيز.
- إنشاء نقاط تفتيش فعالة تخضع للمراجعة البشرية وتتمتع بسلطة تجاوز القرار.
- إعادة التفاوض على عقود الموردين لتعزيز ضمانات التعويض.
هل كان هذا المورد مفيدًا؟